محمد طاهر الكردي
543
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
فنقول : لم يجعله كذلك ، ليكون قاصده مخلصا في عبادة اللّه ، لا يشرك فيها التنزه والتفسح وغيرهما ، وأيضا أن الدنيا كلها ، لا قيمة لها عند اللّه تعالى ، ولو كانت لها قيمة عنده ، لما سقى الكافر منها شربة ماء كما جاء في الأثر ، وفي الحقيقة أن الكفار يتمتعون في الدنيا أكثر من المؤمنين . فلماذا يزينه اللّه بشيء حقير لا قيمة له . ومن يطلع على أحوال أنبياء اللّه ورسله ، صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وعلى أحوال الصحابة والعلماء العاملين والأتقياء الصالحين ، يجد أنهم في شظف من العيش وضيق من الدنيا ، ولقد خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم منها ولم يشبع من خبز الشعير . دخل عمر بن الخطاب ، رضي اللّه عنه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما فوجده مضطجعا على حصير وقد أثر في جنبه الشريف ، قال : فنظرت ببصري في خزانة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع ، ومثلها قرظا في ناحية الغرفة ، وإذا أفيق معلق . قال : فابتدرت عيناي ، قال : ما يبكيك يا ابن الخطاب ؟ قلت : يا نبي اللّه وما لي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك ، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى ، وذاك قيصر وكسرى في الثمار والأنهار ، وأنت رسول اللّه وصفوته وهذه خزانتك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : " يا ابن الخطاب ألا ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا - يعني الروم والفرس - قال عمر : قلت بلى " . فهذا الحديث رواه البخاري في صحيحه في أربعة مواضع ، وأخرجه مسلم أيضا في صحيحه عن عمر بأربع روايات معناها واحد ، وإن اختلفت ألفاظها غالبا . والأفيق بفتح الهمزة وكسر الفاء الجلد الذي لم يتم دباغه ، والقرظ ورق السلم يدبغ به . فانظر رحمك اللّه تعالى إلى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين الأخيار ، ما كانوا ينظرون إلى الدنيا أبدا ، وما كانوا يتبلغون منها إلا بقدر ضرورة الحياة ، لأنها عرض زائل والآخرة خير وأبقى . فمن هنا تعلم أن اللّه تعالى ، لم يجعل الأمين الذي فيه بيته المطهر ، وسط الجنان والأنهار ، تحف به الزروع والثمار ، على أنه سبحانه وتعالى ، قد خص مكة بأنواع الشرف وفضلها على جميع البلدان وجعل من دخلها في أمن وأمان ، وجعل خليله إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، يدعو لها بالأمن والرزق والخير ، وجعلها